مركز المنشورات الرئيسي  د. امل شفيق العمري
الأحد 27-5-2018 الموافق 13 رمضان 1439
موقع الجامعة الرسمي

  معلومات المستخدم:
   الإسم: د. امل شفيق العمري
   الإسم بالإنجليزي:
   نوع المستخدم: أكاديمي
   التخصص العام: اللغة العربية وادابها
   التخصص الدقيق: اللغة العربية وآدابها
   مكان العمل: كلية عجلون الجامعية
   تاريخ التصنيف: لا يوجد
   البريد الإلكتروني: dr.amalomary@bau.edu.jo

  قائمة المستخدم:

  قائمة المجلدات:

 الإثنين 21-5-2018

صوموا تصحوا

 الخميس 12-4-2018 غذاء الروح 
هذا الفيديو اهداء من احد زهرات البلقاء الى جامعة البلقاء بمناسبة ذكرى الاسراء والمعراج


  بدون مجلد
تاريخ المنشور: الإثنين 22-1-2018
التقديم والتأخير في القرآن الكريم

مشاهدات 102   إعجابات 0   تعليقات 0

التقديم والتأخير في القرآن الكريم

المفهوم الفعلي من حيث الدلالة اللغوية للتقديم والتأخير أنه إذا بدأنا بكلمة سابقة على غيرها فقد قدمناها في الكلام. والتقديم نوعان أو ثلاثة:
تقديم اللفظ على عامله نحو قوله تعالى (إياك نعبد وإياك نستعين) وقوله تعالى (وربك فكبر) وقولنا : زيدا أكل أو زيدا أكرمت.و بمحمد اقتديت.
تقديم الألفاظ بعضها على بعض في غير العامل وذلك نحو قوله تعالى (وما أهل به لغير الله) البقرة وقوله (وما أهل لغير الله به) المائدة
أولا: تقديم اللفظ على عامله:

ومن هذا الباب تقديم المفعول به على فعله وتقديم الحال على فعله وتقديم الظرف والجار والمجرور على فعلهما وتقديم الخبر على المبتدأ ونحو ذلك. وهذا التقديم في الغالب يفيد الإختصاص فقولك (أنجدت خالدا) يفيد أنك أنجدت خالدا ولا يفيد أنك خصصت خالدا بالنجاة بل يجوز أنك أنجدت غيره أو لم تنجد أحدا معه. فإذا قلت: خالدا أنجدت أفاد ذلك أنك خصصت خالدا بالنجدة وأنك لم تنجد أحدا آخر


ومثل هذا التقديم في القرآن كثير: فمن ذلك قوله تعالى (إياك نعبد وإياك نستعين) في سورة الفاتحة، فقد قدم المفعول به " إياك " على فعل العبادة وعلى فعل الإستعانة دون فعل الهداية قلم يقل إيانا اهد كما قال في الأوليين ، وسبب ذلك أن العبادة والإستعانة مختصتان بالله تعالى فلا يعبد أحد غيره ولا يستعان به. وهذا نظير قوله تعالى (بل الله فاعبد وكن من الشاكرين (66) الزمر ) وقوله (واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون (172) البقرة) فقدم المفعول به على فعل العبادة في الموضعين وذلك لأن العبادة مختصة بالله تعالى.
**
ومثل التقديم على فعل الإستعانة قوله تعالى (وعلى الله فليتوكل المتوكلون (12) ابراهيم) وقوله ( على الله توكلنا ربنا ، الأعراف) وقوله (عليه توكلت وإليه أنيب (88) هود) فقدم الجار والمجرور للدلالة على الإختصاص وذلك لأن التوكل لا يكون إلا على الله وحده والإنابة ليست إلا إليه وحده.
ولم يقدم مفعول الهداية على فعله قلم يقل : إيانا اهد كما قال (إياك نعبد) وذلك لأن طلب الهداية لا يصح فيه الإختصاص إذ لا يصح أن تقول اللهم اهدني وحدي ولا تهد أحدا غيري أو خصني بالهداية من دون الناس وهو كما تقول اللهم ارزقني واشفني وعافني. فأنت تسأل لفسك ذلك ولم تسأله أن يخصك وحدك بالرزق والشفاء والعافية فلا يرزق أحدا غيرك ولا يشفيه ولا يعافيه.

(1/307)


** ومن هذا النوع من التقديم قوله تعالى (قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين (29) الملك) فقدم الفعل آمنا على الجار والمجرور (به) وأخر توكلنا عن الجار والمجرور (عليه) وذلك لأن الإيمان لما لم يكن منحصرا في الإيمان بالله بل لا بد معه من رسله وملائكته وكتبه واليوم الأخر وغيره مما يتوقف صحة الإيمان عليه، بخلاف التوكل فإنه لا يجوز إلا على الله وحده لتفرده بالقدرة والعلم القديمين الباقيين قدم الجار والمجرور فيه ليؤذن باختصاص التوكل من العبد على الله دون غيره لأن غيره لا يملك ضرا ولا نفعا فيتوكل عليه.
**
ومن ذلك أيضا قوله تعالى (ألا إلى الله تصير الأمور (53) الشورى) لأن المعنى هو أن الله مختص بصيرورة الأمور إليه دون غيره. ونحو قوله تعالى (إن إلينا إيابهم (25) ثم إن علينا حسابهم (26) الغاشية) . فإن الإياب لا يكون إلا إلى الله وهو نظير قوله تعالى (إليه أدعو وإليه مآب (36) الرعد) وقوله (ولكن كذب وتولى (32) القيامة) فالمساق إلى الله وحده لا إلى ذات أخرى وهذا ليس من التقديم من أجل مراعاة المشاكلة لرؤوس الآي كما ذهب بعضهم بل هو لقصد الإختصاص نظير قوله تعالى (إليه مرجعكم جميعا (4) يونس) وقوله (وإليه يرجع الأمر كله (123) هود) وقوله (وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون (93) الأنبياء) وغير ذلك من الآيات.
**
ومن هذا الباب قوله تعالى (إليه يرد علم الساعة (47) فصلت) فعلم الساعة مختص بالله وحده لا يعلمه أحد غيره ونحوه قوله تعالى (إن الله عنده علم الساعة (34) لقمان) فقدم الظرف الذي هو الخبر على المبتدأ وهو نظير الآية السابقة.

(1/308)


** ونحو قوله (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو (59) الأنعام) فقدم الظرف الذي هو الخبر على المبتدأ (مفاتح الغيب) وذلك لاختصاصه سبحانه بعلم الغيب ألا ترى كيف أكد ذلك الإختصاص بأسلوب آخر هو أسلوب القصر فقال: لا يعلمها إلا هو؟
وقد يكون التقديم من هذا النوع لغرض آخر كالمدح والثناء والتعظيم والتحقير وغير ذلك من الأغراض، إلا أن الأكثر فيه أنه يفيد الإختصاص. ومن التقديم الذي لا يفيد الإختصاص قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل (84) الأنعام) فهذا ليس من باب التخصيص إذ ليس معناه أننا ما هدينا إلا نوحا وإنما هو من باب المدح والثناء. ونحو قوله (فأما اليتيم فلا تقهر (9) وأما السائل فلا تنهر (10) الضحى) إذ ليس المقصود به جواز قهر غير اليتيم ونهر غير السائل وإنما هو من باب التوجيه فإن اليتيم ضعيف وكذلك السائل وهما مظنة القهر فقدمهما للاهتمام بشأنهما والتوجيه إلى عدم استضعافهما.
ثانيا: تقديم اللفظ وتأخيره على غير العامل:
إن تقديم الألفاظ بعضها على بعض له أسباب عديدة يقتضيها المقام وسياق القول، يجمعها قولهم: إن التقديم إنما يكون للعناية والإهتمام. فما كانت به عنايتك أكبر قدمته في الكلام. والعناية باللفظة لا تكون من حيث أنها لفظة معينة بل قد تكون العناية بحسب مقتضى الحال. ولذا كان عليك أن تقدم كلمة في موضع ثم تؤخرها في موضع آخر لأن مراعاة مقتضى الحال تقتضي ذاك. والقرآن أعلى مثل في ذلك فإنا نراه يقدم لفظة مرة ويؤخرها مرة أخرى على حسب المقام. فنراه مثلا يقدم السماء على الأرض ومرة يقدم الأرض على السماء ومرة يقدم الإنس على الجن ومرة يقدم الجن على الإنس ومرة يقدم الضر على النفع ومرة يقدم النفع على الضر كل ذلك بحسب ما يقتضيه القول وسياق التعبير.

(1/309)


فإذا أردت أن تبين أسباب هذا التقديم أو ذاك فإنه لا يصح الإكتفاء بالقول إنه قدم هذه الكلم للعناية بها والإهتمام دون تبيين مواطن هذه العناية وسب هذا التقديم.
فإذا قيل لك مثلا: لماذا قدم السماء على الأرض هنا؟ قلت لأن الإهتمام بالسماء أكبر ثم إذا قيل لك ولماذا قدم الأرض على السماء في هذه الآية قلت لأن الإهتمام بالأرض هنا أكبر، فإذا قيل ولماذا كان الإهتمام بالسماء هناك أكبر وكان الإهتمام بالأرض هنا أكبر؟
وجب عليك أن تبين سبب ذلك وبيان الإختلاف بين الموطنين بحيث تبين أنه لا يصح أو لا يحسن تقديم الأرض على السماء فيما قدمت فيه السماء أو تقديم السماء على الأرض فيما قدمت فيه الأرض بيانا شافيا. وكذلك بقية المواطن الأخرى. أما أن تكتفي بعبارة أن هذه اللفظة قدمت للعناية والإهتمام بها فهذا وجه من وجوه الإبهام. والإكتفاء بها يضيع معرفة التمايز بين الأساليب فلا تعرف الأسلوب العالي الرفيع من الأسلوب المهلهل السخيف إذ كل واحد يقول لك: إن عنايتي بهذه اللفظة هنا أكبر دون البصر بما يستحقه المقام وما يقتضيه السياق.
إن فن التقديم والتأخير فن رفيع يعرفه أهل البصر بالتعبير والذين أوتوا حظا من معرفة مواقع الكلم وليس ادعاء يدعى أو كلمة تقال.
وقد بلغ القرآن الكريم في هذا الفن كما في غيره الذروة في وضع الكلمات الوضع الذي تستحقه في التعبير بحيث تستقر في مكانها المناسب. ولم يكتف القرآن الكريم الذي وضع اللفظة بمراعاة السياق الذي وردت فيه بل راعى جميع المواضع التي وردت فيها اللفظة ونظر إليها نظرة واحدة شاملة في القرآن الكريم كله. فنرى التعبير متسقا متناسقا مع غيره من التعبيرات كأنه لوحة فنية واحدة مكتملة متكاملة.

(1/310)


إن القرآن الكريم دقيق في وضع الألفاظ ورصفها بجنب بعض دقة عجيبة فقد تكون له خطوط عامة في التقديم والتأخير وقد تكون هناك مواطن تقتضي تقديم هذه اللفظة أو تلك و كذلك مرتعا فيه سياق الكلام والإتساق العام في التعبير على أكمل وجه وأبهى صورة. وسنوضح هذا القول المجمل ببيان شاف.
إن القرآن كما ذكرت يقدم الألفاظ ويؤخرها حسبما يقتضيه المقام فقد يكون سياق الكلام مثلا متدرجا حسب القدم والأولية في الوجود، فيرتب الكلمات على هذا الأساس فيبدأ بالأقدم ثم الذي يليه وهكذا وذلك نحو قوله تعالى (وما خلقت لجن والإنس إلا ليعبدون (56) الذاريات) فخلق الجن قبل خلق الإنس بدليل قوله تعالى (والجان خلقناه من قبل من نار السموم (27) الحجر) فذكر الجن أولا ثم ذكر الإنس بعدهم.
**
ونحو قوله تعالى (لا تأخذه سنة ولا نوم (255) البقرة) لأن السنة وهي النعاس تسبق النوم فبدأ بالسنة ثم النوم.
**
ومن ذلك تقديم عاد على ثمود قال تعالى (وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم (38) العنكبوت) فإن عادا أسبق من ثمود.
**
وجعلوا من ذلك تقديم الليل على النهار والظلمات على النور قال تعالى (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون (33) الأنبياء) فقدم الليل لأنه أسبق من النهار وذلك لأنه قبل خلق الأجرام كانت الظلمة وقدم الشمس على القمر لأنها قبله في الوجود. وقال (يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (44) النور) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. ومثل تقديم الليل على النهار تقديم الظلمات على النور كما ذكرت. قال تعالى (وجعل الظلمات والنور (1) الأنعام) وذلك لأن الظلمة قبل النور لما مر في الليل.

(1/311)


قالوا: ومن ذلك تقديم العزيز على الحكيم حيث ورد في القرآن الكريم (وهو العزيز الحكيم (1) الحشر) قالوا لأنه عز فحكم.
**
ومنه تقديم القوة على العزة لأنه قوي فعز أي غلب بالقوة فالقوة أول قال تعالى (إن الله لقوي عزيز (40) و (70) الحج) وقال (وكان الله قويا عزيزا (25) الأحزاب).
**
وقد يكون التقديم بحسب الفضل والشرف منه تقديم الله سبحانه في الذكر كقوله تعالى (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (69) النساء). فقدم الله على الرسول ثم قدم السعداء من الخلق بحسب تفاضلهم فبدأ بالأفضلين وهم النبيون ثم ذكر من يعدهم بحسب تفاضلهم. كما تدرج من الفئة القليلة إلى الكثرة فبدأ بالنبيين وهو أقل الخلق ثم الصديقين وهم أكثر ثم الشهداء ثم الصالحين فكل صنف أكثر من الذي قبله فهو تدرج من القلة إلى الكثرة ومن الأفضل إلى الفاضل ولا شك أن أفضل الخلق هم أقل الخلق إذ كلما ترقى الناس في الفضل قل صنفهم.
**
ومن ذلك قوله تعالى (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (7) الأحزاب) فبدأ بالرسول لأنه أفضلهم.

(1/312)


** وجعلوا من ذلك تقديم السمع على البصر قال تعالى (وهو السميع البصير (11) الشورى* و (إن الله هو السميع البصير (20) غافر) وقال (إنه هو السميع البصير (1) و (هو السميع البصير (56) غافر) الإسراء) وقال تعالى (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2) الإنسان) فقدم السمع على البصر. وقال (والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا (73) الفرقان) فقدم الصم وهم فاقدو السمع على العميان وهم فاقدو البصر. قالوا لأن السمع أفضل. قاولا والدليل على ذلك أن الله تعالى لم يبعث نيا أصم ولكن قد يكون النبي أعمى كيعقوب - عليه السلام - فإنه عمي لفقد ولده.
والظاهر أن السمع بالنسبة إلى تلقي الرسالة أفضل من البصر ففاقد البصر يستطيع أن يفهم ويعي مقاصد الرسالة فإن مهمة الرسل التبليغ عن الله. والأعمى يمكن تبليغه بها وتيسير استيعابه لها كالبصير غير أن فاقد السمع لا يمكن تبليغه بسهولة فالأصم أنأى عن الفهم من الأعمى ولذا كان العميان علماء كبار بخلاف الصم. فلكون متعلق ذلك التبليغ كان تقديم السمع أولى.
ويمكن أن يكون تقديم السمع على البصر لسبب آخر عدا الأفضلية وهو أن مدى السمع أقل من مدى الرؤية فقدم ذا المدى الأقل متدرجا من القصر إلى الطول في المدى ولذا حين قال موسى في فرعون (قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى (45) طه) قال الله تعالى (قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى (46) طه) فقدم السمع لأنه يوحي بالقرب إذ الذي يسمعك يكون في العادة قريبا منك بخلاف الذي يراك فإنه قد يكون بعيدا وإن كان الله لا يند عن سمعه شيء.

(1/313)


وقد يكون التقديم بحسب الرتبة وذلك كقوله تعالى (فلا تطع المكذبين (8) ودوا لو تدهن فيدهنون (9) ولا تطع كل حلاف مهين (10) هماز مشاء بنميم (11) مناع للخير معتد أثيم (12) القلم) فإن الهماز هو العياب وذلك لا يفتقر إلى مشي بخلاف النميمة فإنها نقل للحديث من مكان إلى مكان عن شخص إلى شخص. فبدأ بالهماز وهو الذي يعيب الناس وهذا لا يفتقر إلى مشي ولا حركة، ثم انتقل إلى مرتبة أبعد في الإيذاء وهو المشي بالنميمة ثم انتقل إلى مرتبة أبعد في الإيذاء وهو أنه يمنع الخير عن الآخرين. وهذه مرتبة بعد في الإيذاء مما تقدمها. ثم انتقل إلى مرتبة أخرى أبعد مما قبلها وهو الإعتداء فإن منع الخير قد لا يصحبه اعتداء أما العدوان فهو مرتبة أشد في الإيذاء. ثم ختمها بقوله أثيم وهو وصف جامع لأنواع الشرور فهي مرتبة أخرى أشد إيذاء. جاء في بدائع الفوائد : وأما تقدم هماز على مشاء بنميم فالرتبة لأن المشي مرتب على القعود في المكان. والهماز هو العياب وذلك لا يفتقر إلى حركة وانتقال من موضعه بخلاف النميم. وأما تقدم (مناع للخير) على (معتد) فبالرتبة أيضا لأن المناع يمنع من نفسه والمعتدي يعتدي على غيره ونفسه قبل غيره.
**
وجعلوا من تقدم السمع على العلم حيث وقع في القرآن الكريم كقوله تعالى (وهو السميع العليم (137) البقرة) وقوله (إنه هو السميع العليم (61) الأنفال) وذلك أنه خبر يتضمن التخويف والتهديد. فبدأ بالسمع لتعلقه كالأصوات وهمس الحركات فإن من سمع حسك وخفي صوتك أقرب إليك في العادة ممن يقال لك: إنه يعلم وإن كان علمه تعالى متعلقا بما ظهر وبطن وواقعا على ما قرب وشطن. ولكن ذكر السميع أوقع في باب التخويف من ذكر العليم فهو أولى بالتقديم.
ويمكن أن يقال: إن السمع من وسائل العلم فهو يسبقه.

(1/314)


** وجعلوا منه أيضا تقديم المغفرة على الرحمة نحو قوله (إن الله غفور رحيم (173) البقرة) في آيات كثيرة وقوله (وكان الله غفور رحيما (100) النساء) قالوا: وسبب تقديم الغفور على الرحيم أن المغفرة سلامة والرحمة غنيمة والسلامة مطلوبة قبل الغنيمة وإنما تأخرت في سورة سبأ في قوله (يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور (2) ) فالرحمة شملتهم جميعا والمغفرة تخص بعضا ، والعموم قبل الخصوص بالرتبة. ولإيضاح ذلك أن جميع الخلائق من الإنس والجن والحيوان وغيرهم محتاجون إلى رحمته فهي برحمته تحيا وتعيش وبرحمته تتراحم وأما المغفرة فتخص المكلفين فالرحمة أعم.
**
ومن التقديم بالرتبة أيضا قوله تعالى في من يكنز الذهب والفضة (يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (35) التوبة) فبدأ بالجباه ثم الجنوب ثم الظهور قيل: لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبسوا وإذا ضمهم وإياه مجلس ازوروا عنه وتولوا بأركانهم وولوه ظهورهم فتدرج حسب الرتبة.

(1/315)


وقد يكون التقديم بحسب الكثرة والقلة فقد يرتب المذكورات متدرجا من القلة إلى الكثرة حسبما يقتضيه المقام وذلك نحو قوله (أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود (125) البقرة) فكل طائفة هي أقل من التي بعدها فتدرج من القلة إلى الكثرة. فالطائفون أقل من العاكفين لأن الطواف لا يكون إلا حول الكعبة. والعكوف يكون في المساجد عموما والعاكفون أقل من الراكعين لأن الركوع أي الصلاة تكون في كل أرض طاهرة أما العكوف فلا يكون إلا في المساجد . والراكعون أقل من الساجدين وذلك لأن لكل ركعة سجدتين ثم إن كل راكع لا بد أن يسجد وقد يكون سجود ليس فيه ركوع كسجود التلاوة وسجود الشكر فهو هنا تدرج من القلة إلى الكثرة. ولهذا التدرج سبب اقتضاه المقام فإن الكلام على بيت الله الحرام. قال تعالى (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود (125) البقرة) فالطائفون هم ألصق المذكورين بالبيت لأنهم يطوفون حوله، فبدأ بهم ثم تدرج إلى العاكفين في هذا البيت أو في بيوت الله عموما ثم الركع السجود الذين يتوجهون إلى هذا البيت في ركوعهم وسجودهم في كل الأرض.
ونحوه قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون (77) الحج) فبدأ بالركوع وهو أقل المذكورات ثم السجود وهو أكثر ثم عبادة الرب وهي أعم ثم فعل الخير.
وقد يكون الكلم بالعكس فيتدرج من الكثرة إلى القلة وذلك نحو قوله تعالى (يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين (43) آل عمران) فبدأ بالقنوت وهو عموم العبادة ثم السجود وهو أخص وأقل ثم الركوع وهو أقل وأخص.

(1/316)


ومنه قوه تعالى (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير (2) التغابن) فبدأ بالكفار لأنهم أكثر قال تعالى (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين (103) يوسف).
ونحوه قوله تعالى (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير (32) فاطر) فقدم الظالم لكثرته ثم المقتصد وهو أقل ممن قبله ثم السابقين وهم أقل. جاء في الكشاف في هذه الآية فإن قلت : لم قدم الظالم ثم المقتصد ثم السابق؟ قلت للإيذان بكثر الفاسقين وغلبتهم وإن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم والسابقون أقل من القليل.ألا ترى كيف قال الله تعالى في السابقين (ثلة من الأولين (13) وقليل من الآخرين (14) الواقعة) إشارة إلى ندرة وقلة وجودهم؟
قالوا: ومن هذا النوع من القديم قوله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما (38) المائدة) قدم السارق على السارقة لأن السرقة في الذكور أكثر. وقدم الزانية على الزاني في قوله تعالى (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة (2) النور) لأن الزنى فيهن أكثر. ألا ترى أن قسما من النساء يحترفن هذه الفعلة الفاحشة؟ وجاء في حاشية ابن المنير على الكشاف قوله: وقدم الزانية على الزاني والسبب فيه أن الكلام الأول في حكم الزنى والأصل فيه المرأة لما يبدو من الإيماض والإطماع والكلام، ولأن مفسدته تتحقق بالإضافة إليها".
وقد يكون التقديم لملاحظ أخرى تتناسب مع السياق فنراه يقدم لفظة في موضع ويؤخرها في موضع آخر بحسب ما يقتضي السياق.

(1/317)


**فمن ذلك تقديم لفظ الضرر على النفع وبالعكس قاولا: إنه حيث تقدم لنفع على الضر فلتقدم ما يتضمن النفع. قال تعالى (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله (188) الأعراف) فقدم النفع على الضرر وذلك لأنه تقدمه في قوله (من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون (178) الأعراف) فقدم الهداية على الضلال وبعد ذلك قال (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون (188) ) فقدم الخير على السوء ولذا قدم النفع على الضرر إذ هو المناسب للسياق.
وقال: (قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله (49) يونس) فقدم الضرر على النفع وقد قال قبل هذه الآية (ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون (11) يونس) وقال (وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون (12) يونس). فقدم الضر على النفع في الآيتين . ويأتي بعد هذه الآية قوله: (قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون (50) ) فكان المناسب تقديم الضرر على النفع ههنا.

(1/318)


وقال: (قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا (16) الرعد) فقدم النفع على الضرر، قالوا: وذلك لتقدم قوله تعالى (ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال {س}(15) الرعد) فقدم الطوع على الكره. وقال: (فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا (42) سبأ) فقدم النفع على الضر قالوا: وذلك لتقدم قوله (قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين (39) سبأ) فقد البسط. وغير ذلك من مواضع هاتين اللفظتين.
**
ومن ذلك تقديم الرحمة والعذاب فقد قيل إنه حيث ذكر الرحمة والعذاب بدأ بذكر الرحمة كقوله تعالى (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء (18) المائدة) وقوله (إن ربك لذومغفرة وذو عقاب أليم (43) فصلت) وقوله (غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير (3) غافر)
وعلى هذا جاء قول النبي - صلى الله عليه وسلم - حكاية عن الله تعالى :" إن رحمتي سبقت غضبي"

 

المرفقات:
لا يوجد مرفقات مع المشاركة.

التعليقات:
لا يوجد تعليقات على هذا المنشور.

إضف تعليقك هنا:
الرجاء تسجيل الدخول بإستخدام رقمك الوظيفي مع كلمة السر الخاصة بك حتى تتمكن من التعليق على الفيديو.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الحاسوب - جامعة البلقاء التطبيقية 2016